عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
91
معارج التفكر ودقائق التدبر
ومن غيره ، أو من الصّورة العامّة دون تقابل مفردات بالمشبّه بمفردات في المشبّه به . ومن تشبيه ( التّمثيل ) في هذه السورة ما يلي : المثال الأوّل : قول اللّه عزّ وجلّ فيها : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) . وفي القراءة الأخرى : [ اشتدّت به الرّياح ] . في هذه الآية تشبيه مأخوذ من متعدّد بين المشبّه والمشبّه به ، فالمشبّه أعمال الّذين كفروا الّتي قاموا بها ، وأعدّوا بها وسائلهم ، لمقاومة دعوة الحقّ الرّبّانيّة ، والتّخلّص من رسل اللّه عليهم السّلام ، ومن الّذين آمنوا بهم واتّبعوهم ؛ بقوم أوقدوا نارا عظيمة ليحرقوا بها قرى ، ومدنا ، ومصانع ، وجنّات ، وثروات ، وبشرا ، فأطفأ اللّه نارهم ، وجعل حطبهم رمادا ، ثمّ أرسل اللّه عزّ وجلّ ريحا عاصفة من جهات مختلفات ، فدخلت قويّة شديدة في الرّماد فاحتملته ووزّعت ذرّاته بعنف في جهات متباعدات من شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها ، فلا أحد يستطيع من أصحاب الرّماد أن يلتقط منه شيئا . وكذلك أعمال الّذين كفروا لمقاومة دعوة رسل اللّه عليهم السّلام ؛ أحبطها اللّه وبدّدها ، فهم لا يقدرون على استعمال شيء ممّا سبق أن كسبوه بأعمالهم من وسائل . وذلك الأمر الّذي دعاهم إلى مقاومة دعوة رسل اللّه عليهم السّلام ، وخيبتهم في كلّ أعمالهم ، وإهلاك اللّه لهم بعذاب شديد في نهاية الأمر ؛ هو الضّلال البعيد جدّا عمّا يحقّق لهم النّجاة ، وما كانوا يطمعون به للذّاتهم ، وشهواتهم ، ومتاعاتهم من الحياة الدّنيا .